حيدر حب الله

198

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

ضعيف السند ؟ ! إنّنا نفهم ارتداد الناس بمعنى عدم الوقوف إلى جانب عليّ ، أو ارتباكهم في الأيّام الأولى ، أما هلاكهم كما تريد الرواية الصحيحة السند هنا وغيرها أن تفيد ، فهذا غير واضح ، ومن ثمّ فالأفضل الذهاب خلف التفسير التوفيقي الذي طرحناه آنفاً . ومن خلال مجموع مداخلاتنا السابقة على مسألة عوائق النظريّة المختارة خاصّة حديث ارتداد الناس ، يمكن أن نستخلص الآتي : لا يبعد أن يقال : إنّ المسلمين عصر النبي كانوا على مجموعات ثلاث : الأولى : وهي الطائفة المؤمنة المخلصة المتفانية في سبيل الله ، والتي ندر أن يسجّل عليها ملاحظة أو هفوة فاضحة أو سقطة بيّنة ، بل كانت دائماً تتبع التعاليم وتتفانى في العمل بها . الثانية : وهي الطائفة المؤمنة المخلصة أيضاً ، لكنّ إيمانها لم يكن بحجم عدم السقوط في هفوات وزلات أساسية ، فقد كان يتغلّب عليهم الشيطان أحياناً ، أو يستزلّهم ويسقطهم بهفوات ، أو ينصاعون للرغبات الشخصية فيسقطون فيها لفترة أو ضمن ظرف حرج وحسّاس ، وهؤلاء كانت تصدر منهم هذه الأمور لا عن خبث وسوء وترصّد مسبق ، بل لأنّ طبيعة الإنسان خطّاءة ، وليس كلّ الناس على درجة واحدة من الإيمان والعمل ، فهم درجات عند الله ، وقد نزلت في هذه الطائفة التي نعتقد أنها تمثّل شريحة كبيرة من المسلمين في عصر الرسالة . . نزلت الكثير من الآيات التي تعلّق على فعلٍ ما ارتكبوه هنا أو خطأ ما وقعوا فيه هناك ، أو هفوةٍ أو سقطة جرّهم الشيطان أو الدنيا أو الهوى إليها ، وربما الجهل أحياناً ، فاستنكرت الآيات منهم هذا الفعل ونبّهتهم عليه ، وفي بعض الأحيان أشارت إلى عفو الله عمّا صدر مع استنكاره وتذكيرهم بضرورة أن لا يعودوا إلى مثل هذا . قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) ( آل عمران : 155 ) ، وقال عز من قائل : ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ